يطرح كثير من الملاك ومديري المنشآت سؤالاً واحداً حين تبدأ مؤشرات الصعوبة المالية بالظهور: هل ننتظر حتى يتفاقم الوضع، أم نلجأ إلى إجراء نظامي مبكر يحفظ استمرارية النشاط؟ وقد استحدث نظام الإفلاس السعودي إجابة محددة لهذا السؤال، تتمثل في إجراء التسوية الوقائية.
أولاً: موقع التسوية الوقائية بين إجراءات النظام
استحدث نظام الإفلاس، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/50) وتاريخ 28/5/1439هـ، ثلاثة إجراءات رئيسية تتدرج بحسب حدة الوضع المالي للمدين: التسوية الوقائية، وإعادة التنظيم المالي، والتصفية. وتُعَدّ التسوية الوقائية الإجراء الأقرب إلى الطابع الوقائي بين الثلاثة، إذ يُقصد بها تمكين المدين الذي يواجه مؤشرات صعوبة مالية من التوصل إلى اتفاق مع دائنيه على إعادة جدولة التزاماته أو تعديل شروطها، دون الدخول في إجراء إعادة التنظيم الأكثر تعقيداً أو في التصفية. ولا يجوز لمن سبق له التقدم بطلب التسوية الوقائية أن يتقدم بطلب جديد لذات الإجراء قبل مضي اثني عشر شهراً على انتهاء الإجراء السابق.
ثانياً: من يملك حق التقدم بالطلب؟
يُتاح إجراء التسوية الوقائية، من حيث الأساس، لمن يواجه صعوبة مالية تنذر بتعثر مستقبلي، وذلك تمييزاً له عن إجراءات النظام الأخرى المخصصة لمراحل أكثر تقدماً من التعثر الفعلي. غير أن الصياغة الدقيقة لمعيار الأهلية، ونقاط التماس بينه وبين شرطي التوقف عن السداد والإعسار الفعلي المشترطين للإجراءات الأخرى، مسألة فنية دقيقة يحسن التحقق منها من النص النظامي وتنظيمه التنفيذي مباشرة قبل البناء عليها في أي حالة بعينها، نظراً لتداخل صياغة هذا الشرط بين الإجراءات الثلاثة.
ثالثاً: المستندات والإجراء
يستلزم تقديم طلب التسوية الوقائية إرفاق مقترح التسوية والمعلومات المؤيدة له وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية، إلى جانب بيان عن الوضع المالي للمدين وأثر الظروف الاقتصادية عليه، وتصنيف الدائنين إلى فئات. ويتولى أمين الإجراء، بعد قبول الطلب، الإشراف على سير التسوية وحماية مصالح الأطراف كافة، فيما يُعرض مقترح التسوية على الدائنين للموافقة عليه، تمهيداً لعرضه على المحكمة لتصديقه واكتسابه الصفة الملزمة لجميع الدائنين المشمولين به، بمن فيهم من لم يوافق عليه من الفئة ذاتها.
رابعاً: تطور النظام
شهد نظام الإفلاس تعديلاً لاحقاً طال بعض أحكام إجراء إعادة التنظيم المالي، تمثل أبرزه في تحويل مدة وقف الدعاوى والإجراءات التنفيذية ضد المدين من مدة مفتوحة إلى مدة محددة قابلة للتمديد، بما يحقق توازناً أكبر بين تمكين المدين من فرصة حقيقية لإعادة تنظيم وضعه، وحق الدائنين في عدم إطالة أمد التجميد إلى ما لا نهاية. وهذا التطور، وإن كان قد مسّ إجراء إعادة التنظيم بصورة مباشرة، يعكس اتجاهاً عاماً في تطبيق النظام نحو مزيد من الدقة الإجرائية يفيد فهمه أيضاً عند التعامل مع التسوية الوقائية.
خلاصة عملية
أكثر ما يفوّت على المدين فرصة الاستفادة الفعلية من التسوية الوقائية هو التأخر في طلبها حتى تتجاوز صعوبته المالية حدود ما يصفه النظام بأنه إجراء وقائي. فتقييم الوضع المالي بصورة دورية، واستشارة متخصصة عند أول مؤشر جاد على تعثر مقبل، يبقيان الخيارات النظامية الأوسع متاحة، بدلاً من الاضطرار لاحقاً إلى إجراء أكثر كلفة وتعقيداً.